السيد محمد تقي المدرسي

333

من هدى القرآن

من أن إدريس في بلد آخر ، وربما في عصر ما قبل التاريخ المكتوب ، بينما ذو الكفل كان في عصر متأخر ، وفي بلد ثانٍ . ويعود القرآن إلى التأكيد على فكرة المسؤولية ، وتحطيم الأصنام النفسية ، التي تحول دون إيمان الإنسان بمسؤوليته ، ومن تلك الأصنام ( صنم الطائفية ) . بعض الناس يتهربون من مسؤولياتهم في الحياة ، اعتقاداً بأن دينهم الذي يلتزمون به ويتمسكون بعقائده أفضل من دين الآخرين ومن عقائدهم ، وأن نبيهم أفضل من سائر الأنبياء ، وأن إمامهم أفضل من سائر الأئمة ، ويحسبون أن ذلك يغنيهم عن العمل ، وعن تحمل مسؤوليتهم الجدية في الحياة ، ويأتي القرآن ، ليهدم هذه العقدة النفسية ، ويبين بأن الأنبياء هم أمة واحدة ويشكلون القدوة الحسنة للبشرية . فإذن ، لا مجال هناك لإيجاد خلاف بين الأنبياء ، لكي نقول : إنا ننتمي إلى هذا فنحن أفضل منكم . كلا ! إن الذي ينتمي إلى محمد صلى الله عليه وآله ينتمي إلى عيسى وموسى وإبراهيم وإدريس ونوح ، وجميع الأنبياء والصديقين عليهم السلام ، ومن ينتمي إليهم صادقاً فهو ينتمي إلى محمد صلى الله عليه وآله ، والانتماء الحقيقي هو العمل الصالح ، لذلك يربط القرآن بين فكرة وحدة الأنبياء وفكرة الجزاء ، وفور ما يحدثنا عن وحدة الأنبياء ، يقول الله تعالى : إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ويحدثنا في آيات تالية عن الآخرة ، وعن أشراط الساعة ، لأن الاقتصار على الولاء النظري الجامد إنما هو صنمية يجب أن تحطم في نفوس البشر لكيلا يلجأ إليها الإنسان خشية تحمله المسؤولية ، ذلك لأن القرآن يعالج الفكرة الخاطئة بأمرين : أولًا : يكشف القرآن الحكيم زيف الفكرة التي يعتمد عليها البشر ، ويبرر بها لا مسؤوليته ، ولا جديته في الحياة . فمثلا يقول : إن الهروب إلى ظل التفرقة الطائفية والمذهبية ، للتخلص من ثقل المسؤولية خطأ ، ذلك لأن الرسالات الإلهية إنما هي واحدة . ثانياً : يقتلع الجذر النفسي الذي تعتمد عليه هذه الفكرة . لماذا يهرب الإنسان إلى ظل الطائفية ، والمذهبية ؟ ولماذا يريد أن يفرق بين الله ورسله ؟ لأنه لم يستوعب حقيقة الجزاء بصورة جدية . فإذا عرف الإنسان : إن عمله سوف يجازى عليه جزاءاً حقيقية مؤكداً وإنه لا يستطيع أن يهرب من جدية الحياة وتحمل مسؤوليتها فإنه لا يبرر تقاعسه بهذه الأفكار الخاطئة ، وهكذا